mardi 12 avril 2016

تعرى أمام الجميع

تخيل معي أيها الغريب على الجانب الآخر من النص لو نذهب في رحلة
رحلة نطل فيها على كل البشر لنأخذ منهم من نشاء، أريدك أن تنظر إلى كل واحد منهم ثم تأخذ إماما مسلما من مكة وناسكا بوذيا من اليابان، تأخذ كاهنة من إحدى القبائل الإفريقية وراهبة من الفاتيكان، عروسا من المايا وطفلا من الكرد وشيخا من الأقباط وتضيف عليهم من تشاء.أريدك الآن أن تضع الجميع في غرفة وتواجههم ثم تتعرى
تعرى من كل ما تعلمته عن هذه الحياة، من كل ما تظن أنك تعرفه عنهم وعن نفسك، تعرى من كل قطعة فصلتها الأيام فوقك من كل خطوط الزمن حتى لا يبقى منك إلا ذلك الطفل العاري الذي كنته ذات يوم ثم أجب عن هذا السؤال: من هؤلاء؟
"بشر"، هذا جواب أي طفل عار آخر واعذر جرأتي إن قلت أن جوابك لن يختلف، هذا كل ما ستراه في هذه الوجوه التي حملت أسماء وصفات لا حصر لها فيما سبق لن يختلفوا كثيرا عني وعنك ولا عن أي شخص آخر، بشر هذا كل ما سوف يكونونه.
أريدك الآن –إن سمحت لغريب أن يملي عليك أفعالك- أن تأخذ كومة ذاتك الملقاة عند قدميك ترتبها بذات الترتيب الذي رتبه الزمن ثم ترتديها قطعة قطعة.أريدك أن  ترتدي كل قطعة وأنت تفكر في السؤال علك تجد القطعة التي بدأت كل شيء.
حاول البحث عن القطعة التي صرت تنظر بعدها للبشر لترى كائنات أخرى، مسميات أخرى وصفات أخرى لا حصر لها ولا كم.
متى تعلمت الألوان ثم تعلمت أن هذه الألوان درجات وهذه الدرجات تكسوا جلود البشر فصرت تصنفهم وتقسم على هذا الأساس، خلقت الأجناس وخلقت لكل جنس صفاته وصرت تحب جنس وتكره آخر، تحترم جنسا وتحتقر آخر.
متى عرفت أن شخصا ما في زمن ما لسبب ما قرر رسم خطوط وهمية على ورق قسم بها ما كان يعرف يوما بالأرض الواحدة فصار من يولد أمام أحد هذه الخطوط أحق بالحياة ممن يولد خلفه، متى أدركت أن إنسانيتنا تقيم بحروف على ورق تبعا لما ترسمه لنا هذه الخطوط فيصبح ساكنو خطوط ما أرقى من ساكني غيرها وحاملو ورقة ما أحق بالبشرية من حاملي غيرها.
متى أدركت أن الناس لسبب أو لآخر بشكل أو بآخر يؤمنون أو يكفرون بقوة عليا تحكم هذا الكون وأن لكل شخص طريقته في التعبير عنها، متى أدركت أن للناس أديان ولكل دين طوائف ولكل طائفة شعائر تختلف عن الأخرى، فصرت تصنف كل شخص على هذا الأساس وتطبق عليه مفاهيماً وصفات قد وقد لا تكون فيه، متى صارت أحقية كل طائفة في الوجود محكومة بكم تتفق وتتشابه مع طائفتك، متى صرت تحكم على أخلاقهم إنسانيتهم ومبادئهم دون حتى أن تزعج نفسك للتعرف على أي منهم بناءً على إيمان يشتركون فيه مع جماعة معينة.
متى أدركت أن لطائفتك أنت نفسك شعائر وبدأت تصنف الناس على أساسها فملتزم ووسطي ومنفلت، متى قررت أن تقيس بلسانك المسافة بين قلب كل منهم والسماء ثم بدأت تتقمص دور الإله فتحكم بمصائرهم –بل وقد تذهب لمحاولة تحقيقها بيدك فتخال نفسك يد الإله الباطشة على الأرض- بناء على ما سبق وأعددته من تصنيف.
متى أدركت أن زمن آخرا سبق الزمن الذي تعيش فيه وأن لكل من قسمتهم سابقا تاريخ فيه فقررت أن تلوم أحفاد أحفادهم على ما ارتكبه أجداد قد لا يعرفون حتى بوجودهم، فتلوم المسيحيين على الحملات الصليبية والمسلمين على بعض الفظائع العثمانية والأوروبيين على الاستعمارات السابقة والمغول على مذابح جنكيزخان... 
متى ربطت بين جرائم الأفراد والجماعات التي صنفتهم ضمنها، فألصقت صفة الإرهاب بكل مسلم ولعنت كل يهودي على الأرض بسبب جرائم الصهيونية، أدنت كل بوذي لما يحدث في بورما، رفعت أصابع الاتهام في وجه كل شعي إن مات سني في إيران وألصقت التهمة بكل سني إن قتل شيعي في السعودية.
متى صارت كل الاختلافات السابقة مهمة جدا لتقيم باسمها الحروب والنزاعات وتستبيح تحت رايتها دم الإنسان فتصبغ انسانيتك باللون الأحمر الداكن شيءً فشيءً إلى أن تخفيها تماما.
متى صرت إن رأيت إنسانا مررته على كل المقاييس السابقة فتفصل له تاريخا ومستقبلا وأفكار ومبادئ وصفات وتلبسه شخصية خالصة في عقلك قبل أن يفتح فمه بكلمة واحدة. متى توقفت عن رؤية إنسان وأنت تنظر إليه...
هل وجدت تلك القطعة، وهل كانت قطعة واحدة من أساسه أم أنها كانت خرقا كثيرة التصقت بكل قطعة أخرى، ماذا ستفعل إن وجدتها؟ أتحرقها؟ تعدلها؟ أم أنك تأخذ نفسا عميقا قبل أن تعيد ارتداءها؟
لست أدري مذا تريد أن تفعل بها، ولا حق لي في أن أخبرك ما تفعل. لكني فقط سأطلب –لو حق لي ذلك سيدي الغريب- أن تتذكر أنه مهما تفرقنا وتشعبنا وحاولنا الاختلاف لن نمحو يوما حقيقة ثابتة نقشتها الطبيعة على كل واحد منا, "لاشيء أشبه بشيء من الإنسان بالإنسان".

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire